تحتفل الأمم المتحدة باليوم الدولي للشباب في الثاني عشر من أغسطس من كل عام، وهو تاريخ اعتُمد عام 1999 بهدف تسليط الضوء على القضايا والتحديات التي تواجه الشباب حول العالم. ومع ذلك، اختارت العديد من…
تحتفل الأمم المتحدة باليوم الدولي للشباب في الثاني عشر من أغسطس من كل عام، وهو تاريخ اعتُمد عام 1999 بهدف تسليط الضوء على القضايا والتحديات التي تواجه الشباب حول العالم. ومع ذلك، اختارت العديد من الدول تواريخ مختلفة للاحتفاء بشبابها، يرتبط بعضها بمناسبات وطنية، فيما يرتبط بعضها الآخر بمناسبات تعليمية أو اجتماعية، الأمر الذي أوجد مشهدًا عالميًا يتسم بالتباين وعدم الاتساق. ويعكس هذا الاختلاف غياب رؤية موحدة لدور الشباب في تشكيل المستقبل، كما يؤكد أن الاحتفاء الرمزي وحده لم يعد كافيًا في عالم يشهد تحولات متسارعة اقتصاديًا وتعليميًا ومناخيًا وتكنولوجيًا.
وفي ظل هذا التنوع، يبرز سؤال جوهري: ماذا قدمنا للشباب بالفعل؟ وهل يمكن ليوم واحد في العام أو لمنتدى عابر أن يكون كافيًا في عالم يعيد تشكيل نفسه بوتيرة غير مسبوقة، بينما يقف الشباب في قلب هذه التحولات من دون أن يمتلكوا دورًا حقيقيًا في صياغة مستقبلهم؟
تواجه الأجيال الشابة اليوم اقتصادًا عالميًا هشًا يوفر فرصًا محدودة. إذ تتجاوز بطالة الشباب 20% في أوروبا، وتصل إلى 45% في جنوب أفريقيا، في الوقت الذي يتوسع فيه العمل المؤقت والاقتصادات الرقمية غير المستقرة. وتؤدي التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، إلى جانب غياب سياسات واضحة للانتقال نحو نموذج اقتصادي مستدام قادر على توفير فرص عمل جديدة، إلى تضييق الخيارات المتاحة أمام الشباب، ودفع كثير منهم نحو الهجرة أو البطالة أو العمل غير المستقر. وفي هذا السياق، فإن الحديث عن تمكين الشباب يظل معرضًا للتحول إلى مجرد شعارات ما لم يُترجم إلى سياسات اقتصادية تتبنى التحول الرقمي، وتدعم الابتكار، وتعيد هيكلة أسواق العمل.
أما التعليم، الذي يُفترض أن يكون بوابة العبور إلى المستقبل، فيواجه فجوة متزايدة بين مخرجاته ومتطلبات العالم الحديث. فالمناهج الجامدة، وضعف البنية التحتية الرقمية، وغياب التكامل بين التعليم والتنمية الاقتصادية المستدامة، تترك ملايين الشباب غير قادرين على المنافسة في عالم تقوده التكنولوجيا والمهارات المتقدمة. ففي الهند، على سبيل المثال، يواجه أكثر من 250 مليون طالب تحديات مرتبطة بضعف البنية التحتية الرقمية، مما يحد من قدرتهم على المشاركة في الاقتصاد العالمي الناشئ. وعندما يعجز التعليم عن مواكبة التحولات التكنولوجية والبيئية، فإنه يفقد دوره الأساسي في إعداد جيل قادر على مواجهة المستقبل.
ومع ذلك، يبقى التغير المناخي والتدهور البيئي من أكبر التحديات التي تهدد مستقبل الشباب. فارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الكوارث الطبيعية، وتدهور النظم البيئية، تعيد تشكيل حياة الإنسان على مستويات متعددة تشمل الأمن الغذائي والصحة والسكن والاستقرار الاجتماعي. وقد شهد العالم أمثلة صارخة على ذلك؛ فقد أثرت فيضانات باكستان عام 2022 في نحو 33 مليون شخص، ودمرت آلاف المدارس والمزارع، بينما يهدد الجفاف في منطقة القرن الأفريقي حياة أكثر من 20 مليون شاب يعتمدون على الزراعة والرعي، في حين تؤدي حرائق الغابات الموسمية في جنوب أوروبا إلى اضطراب قطاعات السياحة والاقتصادات المحلية وفرص العمل أمام الشباب.
كما يتسبب تلوث الهواء في وفاة أكثر من سبعة ملايين شخص سنويًا، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ويسهم في خفض متوسط العمر المتوقع في بعض المدن بنحو ثلاث سنوات. وهذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات مجردة، بل تعكس مستقبلًا يتسم بدرجة متزايدة من الهشاشة، ويتطلب استجابات حاسمة تتجاوز حدود الفعل الرمزي.
وفي الوقت نفسه، يفتح التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي آفاقًا واسعة أمام الشباب، لكنه يهدد أيضًا ملايين الوظائف التقليدية. وتشير تقارير علمية إلى أن ربع الوظائف في الولايات المتحدة قد تكون معرضة للاستبدال بالذكاء الاصطناعي خلال العقد المقبل. كما أن هيمنة الشركات الكبرى على البيانات، وانتشار المعلومات المضللة، يفرضان بيئات اجتماعية وسياسية معقدة يتعين على الشباب التعامل معها في ظل مستويات غير كافية من المعرفة والوعي الرقمي.
ولا تُعد التكنولوجيا خطرًا في حد ذاتها، لكنها تصبح كذلك عندما تفشل السياسات العامة في ضمان توظيفها بما يخدم مصالح الأجيال القادمة ويعزز قدرتها على التكيف مع التحولات المستقبلية.
وعلى الرغم من حالة عدم اليقين العالمية، تبرز نماذج تبعث على الأمل في الدول التي تجاوزت مرحلة الاحتفاء الرمزي بالشباب إلى الاستثمار الحقيقي في قدراتهم. وتبرز دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا من خلال سياسات عملية ومؤسسات فاعلة، فيما تقدم إمارة الشارقة نموذجًا طموحًا بشكل خاص من خلال مبادرة ربع قرن لصناعة القادة.
ولا تتعامل هذه المبادرة مع الشباب باعتبارهم فئة تحتاج إلى دعم مؤقت، وإنما تنظر إليهم باعتبارهم مشروعًا قياديًا طويل الأمد يمتد على مدى خمسة وعشرين عامًا، يتم خلالها بناء المهارات، وصقل القدرات، وإعادة تشكيل العلاقة بين الشباب والمجتمع والدولة من خلال برامج متكاملة في مجالات القيادة والابتكار والهوية والمشاركة المجتمعية.
وتعكس المبادرة رؤية استراتيجية تدرك أن بناء المستقبل يبدأ ببناء الإنسان، وأن الاستثمار في الشباب ليس مبادرة قصيرة الأجل، وإنما مسار مستدام يهدف إلى إعداد جيل قادر على قيادة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
كما قدمت دولة الإمارات نموذجًا عالميًا في إشراك الشباب في العمل المناخي والبيئي، ليس من خلال الفعاليات وحدها، وإنما عبر برامج التدريب وتمويل المشاريع وإتاحة الفرص أمام الشباب للمشاركة في المفاوضات الدولية المتعلقة بالمناخ.
ويُعد برنامج الإمارات للشباب للمناخ أحد النماذج البارزة في هذا المجال، إذ أتاح للشباب المشاركة في مؤتمرات المناخ العالمية، بما في ذلك مؤتمر الأطراف COP28، ليصبحوا جزءًا من الحوار الدولي حول مستقبل الكوكب. كما يقود الشباب الإماراتي مبادرات في مجالات الزراعة الذكية وإدارة المياه والابتكار البيئي، بما يضعهم في مقدمة الجهود الرامية إلى الانتقال نحو اقتصاد مستدام.
ولا تمثل هذه النماذج مجرد احتفاء بالشباب، بل تعكس استثمارًا حقيقيًا فيهم. فهي تؤكد أن المستقبل يمكن أن يكون أكثر إشراقًا عندما يحصل جيل الشباب على الأدوات والمساحات التي يحتاج إليها للمشاركة والتأثير.
فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية، بل يمثلون قوة اجتماعية واقتصادية وفكرية قادرة على قيادة تحولات كبرى عندما تتوافر لهم فرص التمكين والموارد والمساحات اللازمة للمشاركة.
ومن هنا، ينبغي أن يكون اليوم الدولي للشباب مناسبة للتأمل والمراجعة، وليس مجرد احتفال عابر. فمستقبل الأجيال القادمة يتشكل اليوم، في عالم يواجه تحديات اقتصادية وتعليمية وبيئية ومناخية غير مسبوقة.
وما لم تتحول السياسات العالمية من الاعتراف الرمزي بالشباب إلى الاستثمار الحقيقي في قدراتهم، فإن المخاطر المستقبلية قد تتجاوز قدرة المجتمعات على التكيف معها.
ومع ذلك، تثبت التجارب الإيجابية، ومنها تجربة دولة الإمارات ومبادرة الشارقة طويلة الأمد لصناعة القادة، أن المستقبل لا يُبنى بالاحتفال وحده، وإنما من خلال السياسات الفاعلة، والتمكين، والمشاركة الحقيقية للشباب في مواجهة أكبر التحديات التي يواجهها العالم، وفي مقدمتها تحديات المناخ والبيئة.
العودة إلى الأخبار



