في اليوم الدولي للشباب، لا ينبغي أن يكون الاحتفاء مناسبة عابرة تقتصر على الكلمات والفعاليات، بل محطة للتفكير في موقع الشباب الحقيقي في معادلة المستقبل. فالعالم الذي نعيش فيه يتغير بسرعة غير مسبوقة،…
في اليوم الدولي للشباب، لا ينبغي أن يكون الاحتفاء مناسبة عابرة تقتصر على الكلمات والفعاليات، بل محطة للتفكير في موقع الشباب الحقيقي في معادلة المستقبل. فالعالم الذي نعيش فيه يتغير بسرعة غير مسبوقة، وتتداخل فيه التحولات الاقتصادية والتقنية والبيئية والتعليمية بصورة تجعل من إعداد الشباب مسؤولية وطنية واستراتيجية لا تحتمل التأجيل.
إن الشباب اليوم يقفون في قلب هذه التحولات. فهم الأكثر تأثرًا بتغير سوق العمل، والأقرب إلى أدوات التكنولوجيا الحديثة، والأكثر ارتباطًا بقضايا المناخ والاستدامة، كما أنهم الأكثر قدرة على تقديم أفكار جديدة وحلول مبتكرة. لكن هذه القدرة لا تتحول تلقائياً إلى أثر، ما لم تجد بيئة تؤمن بالشباب، وتفتح أمامهم أبواب المعرفة والتجربة والمشاركة والمسؤولية.
لقد تغيرت طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة في العالم. فالذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والابتكار، والطاقة النظيفة، والبيانات، لم تعد مفاهيم تخص المستقبل البعيد، بل أصبحت جزءًا من واقعنا اليومي. وفي المقابل، لم يعد التعليم التقليدي وحده كافيًا لإعداد جيل قادر على المنافسة. نحن بحاجة إلى تعليم يصنع عقلية مرنة، ويشجع على السؤال والتحليل والتجربة، ويربط المعرفة بمتطلبات الحياة وسوق العمل.
التعليم الحقيقي لا يقتصر على الحصول على شهادة، بل يتمثل في بناء إنسان قادر على التعلم المستمر، والتعامل مع المتغيرات، وتحويل التحديات إلى فرص. ولهذا، فإن الاستثمار في المهارات الرقمية، والبحث العلمي، واللغات، وريادة الأعمال، والتفكير النقدي، أصبح ضرورة أساسية لإعداد الشباب لعالم تتغير فيه المعايير بوتيرة متسارعة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية القيادة. فالشباب لا يحتاجون فقط إلى فرص عمل، بل يحتاجون إلى فرص للتأثير والقيادة وصناعة القرار. القيادة لا تبدأ عند تولي منصب، وإنما تبدأ حين يتعلم الشاب كيف يتحمل المسؤولية، ويعمل ضمن فريق، ويستمع إلى الآخرين، ويحول الفكرة إلى مبادرة، والمبادرة إلى أثر ملموس في مجتمعه.
إن بناء القيادات الشابة يتطلب برامج مستدامة، وتجارب حقيقية، ومساحات آمنة للمبادرة والتعلم من الخطأ. كما يتطلب أن ننتقل من الحديث عن الشباب إلى الحديث معهم، ومن تقديم الحلول لهم إلى إشراكهم في تصميمها. فـالشباب ليسوا متلقين لقرارات المستقبل، بل هم شركاء في صياغته.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية في ظل التحديات البيئية والمناخية التي تواجه العالم. فقضايا المياه والغذاء والطاقة والتلوث والتغير المناخي ليست قضايا بعيدة عن حياة الشباب، بل هي قضايا ستؤثر مباشرة في أمنهم الاقتصادي والاجتماعي وجودة حياتهم. ومن هنا، فإن تمكينهم من المساهمة في الاقتصاد الأخضر، والابتكار البيئي، والمشاريع المستدامة، يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل أكثر استقرارًا وقدرة على التكيف.
وقد أثبتت دولة الإمارات أن الاستثمار في الشباب هو أحد أهم أسس التنمية الشاملة. فمن خلال رؤيتها الاستشرافية، جعلت من بناء الإنسان محوراً أساسيًا لمشروعاتها الوطنية، ووفرت للشباب فرصًا واسعة في التعليم والابتكار وريادة الأعمال والتمكين القيادي والمشاركة المجتمعية.
إن هذه الرؤية لا تنظر إلى الشباب بوصفهم مرحلة مؤقتة تحتاج إلى الدعم، بل باعتبارهم طاقة وطنية قادرة على قيادة التحول في مختلف المجالات. فكل شاب يمتلك المعرفة والثقة والفرصة يمكن أن يكون صاحب مشروع، أو باحثًا، أو مبتكرًا، أو قائدًا مجتمعيًا، أو شريكًا في صناعة حلول تخدم وطنه والإنسانية.
إن الاحتفاء بالشباب يكتسب قيمته الحقيقية عندما يتحول إلى سياسات واضحة، ومؤسسات فاعلة، وفرص عادلة، ومسارات طويلة المدى لصناعة القيادات. فـالمستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل بالعقول المؤهلة، وبالإرادة، وبمنح الشباب المساحة التي يستحقونها ليكونوا في مقدمة المشهد.
الشباب ليسوا مستقبل الوطن فقط، بل هم قوته الحاضرة، ورصيده الأهم، وصوت الغد الذي يبدأ من اليوم، وفي دولة الإمارات، لا تُترك هذه المبادئ في إطار الطموح النظري، بل تتحول إلى منظومة متكاملة تضع الشباب في صميم التنمية. فقد وفرت الدولة بيئة داعمة تجمع بين التعليم النوعي، والتمكين القيادي، وفرص الابتكار وريادة الأعمال، والمشاركة في المبادرات الوطنية والمجتمعية، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي والاستدامة. وهي بذلك لا تمنح الشباب مساحة للحضور فحسب، بل تؤهلهم ليكونوا أصحاب دور حقيقي في صياغة الحلول واتخاذ المبادرات وقيادة التحولات المقبلة.
إن الاستثمار في الشباب هو الاستثمار الأهم في مستقبل الأوطان. وعندما تتوافر لهم المعرفة، والثقة، والفرصة، والبيئة التي تحتضن طموحاتهم، يصبحون قادرين على تحويل التحديات إلى إنجازات، والأفكار إلى أثر مستدام. ومن هنا، تؤكد تجربة الإمارات أن الاحتفاء الحقيقي بالشباب لا يكون في يوم واحد، بل في سياسات ورؤى وفرص تُبنى كل يوم، لتصنع جيلًا واثقًا بقدراته، متمسكاً بهويته، وقادرًا على قيادة مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.
العودة إلى الأخبار



