مقال رأي: الفواكه من دون بذور مريحة، لكنها تهدد الأمن الغذائي - مقالة لمعالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي في صباح هادئ، وبينما كنت أجلس لتناول حصتي اليومية من الفاكهة — البابايا والبطيخ — لاحظت…
مقال رأي: الفواكه من دون بذور مريحة، لكنها تهدد الأمن الغذائي - مقالة لمعالي الدكتور عبدالله بلحيف النعيمي
في صباح هادئ، وبينما كنت أجلس لتناول حصتي اليومية من الفاكهة — البابايا والبطيخ — لاحظت شيئًا لم يكن عاديًا تمامًا. كانت الفاكهة شهية، زاهية الألوان، وجذابة في مظهرها، إلا أن عنصرًا أساسيًا كان غائبًا: لم تكن هناك بذور.
ذلك التفصيل الصغير الذي اعتدنا عليه منذ طفولتنا، والذي ربما اعتبرناه في كثير من الأحيان أمرًا هامشيًا، اختفى. ومع ذلك، فهو العنصر ذاته الذي يحمل سر الحياة والاستمرارية.
بدأت أتساءل: كيف يمكن أن توجد الفاكهة من دون بذور؟ وما الأسس الجينية التي تسمح بمثل هذا التحول؟ وهل تتناسب هذه الأصناف مع بيئتنا؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن الحصول على البذور إذا كانت الثمرة نفسها لا تحتوي عليها؟
كانت تلك اللحظة بداية رحلة انتقلت بي من أسواق الفاكهة إلى المختبرات العلمية، ومن علم الوراثة النباتية إلى سياسات الأمن الغذائي، ومن سؤال بسيط إلى قضية عالمية تمس مستقبل الزراعة والاستدامة.
ما بدا في البداية مجرد ملاحظة عابرة كشف تدريجيًا عن حقيقة أعمق: إن اختفاء البذور من الفاكهة ليس تفصيلًا بسيطًا، بل مؤشر على تحول عميق في علاقة الإنسان بالطبيعة.
البذور ليست جزءًا زائدًا عن الحاجة في الثمرة؛ فهي الذاكرة الجينية، والقدرة على التكيف، وضمان التنوع، وأداة للصمود في مواجهة تغير المناخ. وعندما تختفي البذور — أو تصبح ملكًا للشركات من خلال الأصناف الهجينة أو المحمية ببراءات الاختراع أو غير القابلة لإعادة الإنتاج — فإننا نفقد أول ركائز الاستدامة: الاستقلالية.
على مدى آلاف السنين، اعتاد المزارعون الاحتفاظ بالبذور من موسم إلى آخر، واختيار الأقوى والأكثر قدرة على التحمل والأكثر ملاءمة لتربتهم ومناخهم. وقد سمح هذا الفعل البسيط للزراعة بالتطور والتنوع والصمود أمام الجفاف والآفات والاضطرابات السياسية.
أما اليوم، فإن المزارعين في الهند والولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات المتقدمة يفقدون تدريجيًا قدرتهم على زراعة بذورهم بأنفسهم. فالأسواق تمتلئ بالبذور الهجينة المحمية ببراءات الاختراع، والأصناف التجارية المتجانسة وراثيًا، بل وحتى الفواكه والخضروات الخالية من البذور. وما يبدو في ظاهره مظهرًا من مظاهر الراحة الحديثة يخفي خطرًا هيكليًا يتمثل في تآكل السيادة على البذور.
عندما يفقد المزارعون القدرة على الاحتفاظ ببذورهم، فإنهم يصبحون معتمدين على شركات عالمية تسيطر على المادة الوراثية. ففي الهند، يعتمد أكثر من 90 في المائة من مزارعي القطن على البذور الهجينة التجارية. وفي الولايات المتحدة، تخضع أكثر من 60 في المائة من بذور فول الصويا والذرة لبراءات اختراع. أما في أوروبا، فتفرض قوانين تسجيل البذور قيودًا على تداول الأصناف التقليدية ما لم تستوفِ المعايير التجارية. ويؤدي هذا التحول إلى زيادة التكاليف، وتقليص استقلالية المزارعين، ووضع الأمن الغذائي في أيدي الأسواق بدلًا من المجتمعات والدول.
والأكثر خطورة أن تراجع الاحتفاظ بالبذور يؤدي إلى انهيار التنوع الجيني. فقدت الهند معظم أصناف الأرز التقليدية لديها، بينما فقدت الولايات المتحدة 93 في المائة من أصناف الفواكه والخضروات خلال القرن الماضي. كما استبدلت أوروبا سلالات القمح المحلية التقليدية بأصناف تجارية موحدة. ويخلق هذا التآكل مواطن ضعف خطيرة، كما أثبت التاريخ من خلال مجاعة البطاطس الأيرلندية عام 1845، ووباء الذرة في الولايات المتحدة عام 1970، وتفشي صدأ القمح بصورة متكررة في جنوب آسيا. المحاصيل الموحدة تعني مخاطر موحدة؛ أما التنوع فهو بوليصة التأمين الحقيقية للزراعة.
ومع تسارع تغير المناخ، تزداد أهمية السيادة على البذور أكثر من أي وقت مضى. فقد تنجح الأصناف الهجينة أو الخالية من البذور في الظروف الخاضعة للسيطرة، لكنها قد تفشل عند التعرض إلى درجات الحرارة الشديدة، وعدم انتظام الأمطار، وملوحة التربة، أو ظهور آفات جديدة.
ويواجه المزارعون في الهند بالفعل حالات فشل في محاصيل الدخن الهجين خلال موجات الحر. كما تشهد منطقة الغرب الأوسط في الولايات المتحدة انخفاضًا في إنتاجية أصناف الذرة المتجانسة خلال فترات الجفاف. وفي أوروبا، تتحرك الآفات شمالًا بوتيرة أسرع من قدرة برامج استنباط الأصناف على الاستجابة. إن البذور المتكيفة محليًا تمثل في ذاتها قدرة على الصمود المناخي؛ وفقدانها يعني فقدان القدرة على مواجهة الصدمات البيئية.
كما أن عدم القدرة على الاحتفاظ بالبذور يرفع تكاليف الإنتاج ويعمق مديونية المزارعين. فشراء بذور جديدة في كل موسم يزيد النفقات ويخفض هوامش الأرباح.
وفي الهند، ساهم التحول إلى بذور القطن التجارية في تفاقم ديون المزارعين على نطاق واسع. وفي الاقتصادات المتقدمة، ترتفع أسعار البذور نتيجة تركّز السوق، إذ تسيطر ثلاث شركات على أكثر من نصف سوق البذور العالمية. وهكذا تتحول الزراعة إلى نشاط مرتفع التكلفة، ما يدفع صغار المزارعين إلى الخروج من القطاع ويسرّع تراجع المجتمعات الريفية.
وعندما تسيطر الشركات على المادة الوراثية، تتغير أولويات برامج استنباط المحاصيل. فالمحاصيل تُصمم لتلبية احتياجات الأسواق بدلًا من النظم البيئية: عمر تخزين أطول، وقدرة أكبر على تحمل النقل، ومظهر موحد، وإنتاجية مرتفعة في ظل استخدام المدخلات الكيميائية. وغالبًا ما تتحقق هذه الخصائص على حساب القيمة الغذائية، والقدرة على التكيف مع المناخ، والتراث الغذائي والثقافي. وهكذا تتحول الزراعة إلى نظام تجاري بدلًا من أن تظل نظامًا بيئيًا.
إن فقدان السيادة على البذور يهدد الأمن الغذائي الوطني بصورة مباشرة. فالدول التي تعتمد على البذور المستوردة تصبح أكثر عرضة لـ اضطرابات سلاسل الإمداد، والتلاعب بالأسعار، وفقدان المحاصيل الاستراتيجية القادرة على تحمل الحرارة والملوحة والجفاف.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يواجه العالم احتكارات عالمية في إنتاج الغذاء، وزيادة في الهشاشة أمام الصدمات المناخية، وتراجعًا في القيمة الغذائية، واختفاء المحاصيل التقليدية، وتدهور التربة، وارتفاع أسعار الغذاء، وانهيار الزراعة لدى صغار المزارعين.
وهنا نعود إلى تلك اللحظة البسيطة على مائدة الإفطار. فاكتشاف فاكهة من دون بذور ليس مجرد ملاحظة مرتبطة بنظامنا الغذائي؛ بل هو دعوة لإعادة التفكير في مستقبل الزراعة. فالبذور ليست مجرد مدخلات زراعية، بل هي ذاكرة الطبيعة، وأداة للصمود، وأساس الأمن الغذائي.
عندما تُنتزع البذور من أيدي المزارعين، يصبح مستقبل الزراعة أكثر هشاشة واعتمادًا على الآخرين وأقل يقينًا. أما عندما تبقى البذور في أيدي من يزرعون الأرض، تصبح الاستدامة ممكنة، ويصبح الغذاء أكثر أمنًا، ويبقى المستقبل في متناول الأجيال القادمة.
العودة إلى الأخبار



