خلال إحدى محاضراتي العامة مع طلبة إحدى الجامعات الحكومية، طرح أحد الحضور سؤالًا بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه حمل في طياته دلالات عميقة: لماذا نربط الاستدامة دائمًا بالتغير المناخي، حتى عندما نتحدث عن…
خلال إحدى محاضراتي العامة مع طلبة إحدى الجامعات الحكومية، طرح أحد الحضور سؤالًا بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه حمل في طياته دلالات عميقة: لماذا نربط الاستدامة دائمًا بالتغير المناخي، حتى عندما نتحدث عن القيادة أو التعليم أو الصحة العامة أو الحوكمة؟ وقد شكّل هذا السؤال نقطة انطلاق مهمة لفهم التحول العالمي في مفهوم الاستدامة، وكيف أصبح المناخ مدخلها الرئيسي، رغم أن الاستدامة مفهوم أشمل بكثير من مجرد الحفاظ على البيئة.
على مدى العقدين الماضيين، أصبح التغير المناخي المنظور الرئيسي الذي يعيد العالم من خلاله النظر في مفهوم الاستدامة. فمع ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 1.1 درجة مئوية، وزيادة الكوارث الطبيعية بنسبة 83% خلال الأربعين عامًا الماضية، وتغيّر أنماط انتشار الأمراض، أدركت الحكومات والمؤسسات أن هذه الظواهر لا تهدد البيئة وحدها، بل تهدد استدامة الأنظمة التي تقوم عليها حياة الإنسان، بما في ذلك الغذاء والمياه والصحة والاقتصاد والحوكمة. ومن هنا، بدأ الوعي المجتمعي يربط الاستدامة بالمناخ، باعتباره أحد أكبر التحديات التي تهدد قدرة المجتمعات على الصمود والاستمرار على المدى الطويل.
ومع ذلك، فإن الاستدامة ليست مجرد مفهوم بيئي، بل هي نهج في التفكير بالمستقبل. ففي القيادة، تعني القدرة على اتخاذ قرارات طويلة المدى تستند إلى البيانات، وتتجاوز الاستجابات الآنية، بما يعزز قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات والتحديات. وفي التعليم، تعني إعداد جيل قادر على مواكبة عالم سريع التغير بيئيًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا. أما في الصحة العامة، فتعني بناء أنظمة صحية قادرة على مواجهة موجات الحر والتلوث والأمراض الناشئة واضطرابات سلاسل الإمداد الطبي. وفي الحوكمة، تعني قدرة الدولة على إدارة الموارد والمخاطر والفرص بما يضمن استمرارية الخدمات، وتحقيق العدالة، والحفاظ على الاستقرار المجتمعي.
وهنا تتضح العلاقة العميقة بين الاستدامة والعدالة الاجتماعية؛ إذ إن آثار التغير المناخي لا تتوزع بالتساوي بين جميع فئات المجتمع، فالأسر ذات الدخل المحدود تكون أكثر تأثرًا بموجات الحر وتلوث الهواء وارتفاع أسعار الغذاء واضطراب الخدمات الصحية. ومع اتساع الفجوات الاجتماعية، تتراجع قدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات. ولذلك، أصبحت العدالة الاجتماعية ركيزة أساسية من ركائز الاستدامة، لأن المجتمعات التي تفتقر إلى العدالة لا يمكن أن تحقق استدامة حقيقية، ولا تستطيع التصدي بفاعلية للتحديات المناخية والاقتصادية والصحية. واليوم، أصبحت الاستدامة إطارًا يربط المناخ بالعدالة، والبيئة بالإنسان، والقرارات برفاه المجتمع على المدى الطويل.
وبالعودة إلى ابن خلدون، نجد أن هذا المفهوم ليس جديدًا؛ فقد قدّم قبل أكثر من ستة قرون رؤية عميقة لما نطلق عليه اليوم مفهوم الاستدامة. فقد بيّن أن ازدهار الدولة يقوم على ثلاث ركائز أساسية: العدالة والإنتاج والتكافل الاجتماعي. وهذه الركائز تمثل جوهر الاستدامة الحديثة؛ فالعدالة تقابل الإنصاف الاجتماعي، والإنتاج يعكس اقتصادًا مرنًا ومتنوعًا، والتكافل يجسد مجتمعًا قادرًا على الصمود في مواجهة التغيرات. وقد أعاد التغير المناخي إحياء هذه الرؤية الخلدونية، إذ إن المجتمعات التي تفتقر إلى أي من هذه الركائز تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات البيئية والاقتصادية. ورغم أن ابن خلدون لم يستخدم مصطلح «الاستدامة»، فإنه عبّر عن جوهرها بدقة من خلال رؤيته التي تؤكد أن الدولة التي تفتقر إلى العدالة تفقد تماسكها، والتي تفتقر إلى الإنتاج تفقد قوتها، والتي تفتقر إلى التكافل تنهار أمام أول أزمة.
وفي هذا السياق، تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا عالميًا للقيادة المستدامة، لا في المجال المناخي فحسب، بل في الحوكمة والصحة والتعليم أيضًا. فقد كانت الإمارات أول دولة في المنطقة تعلن التزامها بتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050، واستثمرت أكثر من 50 مليار دولار في مشاريع الطاقة النظيفة في أكثر من 70 دولة، وتعمل على رفع قدرتها المحلية في مجال الطاقة النظيفة إلى 14 جيجاواط بحلول عام 2030. وهذه الأرقام لا تعكس مجرد مبادرات بيئية، بل تجسد نهجًا قياديًا يستشرف المستقبل ويعزز المرونة الوطنية في عالم يشهد تغيرات متسارعة. وفي قطاع الصحة العامة، أثبتت الإمارات قوة منظومتها الصحية خلال الجائحة، وتواصل اليوم استعداداتها لمواجهة المخاطر الصحية المرتبطة بالتغير المناخي، بدءًا من الإجهاد الحراري وصولًا إلى أمراض الجهاز التنفسي. وفي التعليم، أُدمجت مفاهيم الاستدامة في المناهج الدراسية، إلى جانب التوسع في البحث العلمي في مجالات المناخ والصحة والحوكمة، بهدف إعداد جيل قادر على التعامل مع مستقبل تتزايد فيه التحديات والمتغيرات.
أما على صعيد الحوكمة، فقد تبنت دولة الإمارات نموذجًا استشرافيًا قائمًا على البيانات والابتكار والتخطيط طويل المدى، يتجلى في استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي، ومبادرات الاقتصاد الدائري، واستراتيجيات الأمن الغذائي والمائي. وهذه ليست مجرد خطط حكومية، بل هي تعبير عن قيادة مستدامة تجسد ما وصفه ابن خلدون بأن «قوة الدولة تكمن في جودة تدبير شؤونها».
إن السؤال الذي طرحه الطالب لم يكن متعلقًا بالاستدامة وحدها، بل بكيفية تفكيرنا في المستقبل. والإجابة التي يستحقها هي أن الاستدامة لا تعني مجرد حماية البيئة، بل تعني حماية قدرة المجتمع على الاستمرار والصمود، من خلال قيادته وتعليمه وصحته واقتصاده وقيمه. فالتغير المناخي لم يخلق مفهوم الاستدامة، لكنه جعلها ضرورة ملحّة. وجعل منها لغة مشتركة بين مختلف القطاعات، وإطارًا لفهم المستقبل، ومسؤولية تتجاوز الحكومات لتشمل الأفراد والمؤسسات والجامعات.
وهكذا، أصبح التغير المناخي الشرارة التي أعادت تعريف الاستدامة، ليس بوصفها خيارًا، بل باعتبارها شرطًا أساسيًا لبقاء المجتمعات وازدهارها عبر الزمن.
العودة إلى الأخبار



