أتاح التوسع في إتاحة الوصول إلى الفضاء وتحويله إلى قطاع تجاري للدول غير المنتمية إلى القوى الفضائية التقليدية فرصًا لتطوير قدرات سيادية مستقلة. وقد انتهجت دولة الإمارات العربية المتحدة مسارًا…

أتاح التوسع في إتاحة الوصول إلى الفضاء وتحويله إلى قطاع تجاري للدول غير المنتمية إلى القوى الفضائية التقليدية فرصًا لتطوير قدرات سيادية مستقلة. وقد انتهجت دولة الإمارات العربية المتحدة مسارًا استراتيجيًا للاستفادة من هذه الفرصة. فمنذ إطلاق «مسبار الأمل» إلى المريخ عام 2020، بوصفه أول مهمة عربية لاستكشاف كوكب آخر، واصلت الدولة توسيع طموحاتها التقنية، وبنيتها التحتية، وقوتها العاملة الوطنية في قطاع الفضاء.

ويتمثل أحد أبرز ملامح النموذج الإماراتي في التركيز على تنمية رأس المال البشري بالتوازي مع تحقيق الإنجازات التكنولوجية. فبدلًا من الاعتماد الكامل على الأنظمة المصنّعة في الخارج، تحرص البرامج الفضائية الوطنية على إشراك المهندسين والباحثين والطلبة الإماراتيين في مختلف مراحل تطوير المهمات. ويتجلى هذا التوجه في مهمة القمر الصناعي «SEO»، وبرنامج «مستكشف محمد بن راشد»، والاستراتيجية الوطنية للفضاء 2031.

وتهدف الاستراتيجية الوطنية للفضاء 2031، التي تقودها وكالة الإمارات للفضاء، إلى مضاعفة المساهمة الاقتصادية للقطاع، مع تعزيز القدرات الوطنية في مجالات البحث والتطوير والتصنيع. كما تدعم الاستراتيجية مساعي التنويع الاقتصادي من خلال تنمية الصناعات القائمة على المعرفة وتقليل الاعتماد على عائدات الهيدروكربونات. وتخدم تكنولوجيا الفضاء قطاعات متعددة، من بينها الاتصالات، والزراعة، والمراقبة البيئية، والملاحة، والأمن، وخدمات البيانات.

وتُعد وكالة الإمارات للفضاء، التي تأسست عام 2014، الجهة التنظيمية والاستراتيجية الرئيسية للقطاع. وتشمل مسؤولياتها إصدار التراخيص، وتعزيز التعاون الدولي، وتطوير السياسات، ودعم بناء اقتصاد فضائي وطني تنافسي. وقد ربط مديرها العام، سالم القبيسي، مبادرات مثل مهمة «SEO» بإعداد جيل من الباحثين والمهندسين الإماراتيين القادرين على دعم الابتكار والتنمية المستدامة.

وتجسد مهمة القمر الصناعي «SEO»، التي تُطوَّر بالتعاون مع مؤسسات صينية ويستضيفها المركز الوطني لعلوم وتكنولوجيا الفضاء في جامعة الإمارات العربية المتحدة، هذا النموذج لبناء القدرات. إذ توفر مرافق إدارة المحطة الأرضية وتجميع الأقمار الصناعية ودمجها واختبارها للمهندسين والطلبة الإماراتيين خبرة عملية في مختلف مراحل تطوير الأقمار الصناعية. وقد وصف الدكتور نبيل البستكي، مدير المركز، المشروع بأنه دليل على الثقة في قدرات الكفاءات الإماراتية الشابة.

وتؤدي المهمة دورًا مزدوجًا بوصفها مشروعًا علميًا ومنصة لتنمية القوى العاملة. ومن خلال الجمع بين التعليم الأكاديمي والمشاركة الفعلية في المهمات، يوفر المركز مسارًا مباشرًا ينتقل من خلاله الطلبة من الدراسة إلى العمل في القطاعات المتقدمة. ويتوافق هذا النهج مع ما طرحه حبال والفلاسي (2024) بشأن أهمية بناء القدرات المتخصصة في القطاعات المختلفة لضمان استدامة القوى العاملة الوطنية.

ويمثل برنامج «مستكشف محمد بن راشد» امتدادًا لهذه الاستراتيجية نحو استكشاف الفضاء العميق. ومن المقرر إطلاق المركبة الفضائية عام 2028 في رحلة تستمر ثماني سنوات وتقطع خمسة مليارات كيلومتر للوصول إلى حزام الكويكبات الرئيسي. وقد وُصفت المهمة بأنها الأكثر تعقيدًا في تاريخ دولة الإمارات، مما يعكس تطور قدراتها إلى ما يتجاوز العمليات في مدار الأرض.

وفي مايو 2024، أعلن سمو الشيخ حمدان بن محمد عن استراتيجية بقيمة مليار درهم تهدف إلى توسيع المشروعات الفضائية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الشراكات الدولية. ويشير هذا الاستثمار إلى انتقال القطاع من الاعتماد على المشتريات الأجنبية إلى بناء منظومة وطنية مستدامة قادرة على إنتاج الملكية الفكرية المحلية، واستقطاب الاستثمارات، وتصدير الخبرات.

ويجمع مسار دولة الإمارات في قطاع الفضاء بين الأهداف التنموية والاقتصادية والرمزية. كما يقدم دمج التعليم بعمليات المهمات نموذجًا يمكن للدول الفضائية الناشئة الاستفادة منه، ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي ودول الجنوب العالمي. ويعكس التعاون الإماراتي الصيني كذلك تنوع الشراكات بعيدًا عن المحور الأوروبي الأمريكي التقليدي.

وبوجه عام، توضح تجربة دولة الإمارات كيف يمكن للسياسات المنسقة، والاستثمار، والتعاون الدولي، وتنمية القوى العاملة أن تسرّع تطوير القدرات الفضائية السيادية. وينبغي أن تركز الأبحاث المستقبلية على قياس أثر مهمة «SEO» في تنمية رأس المال البشري، وتقييم العوائد الاقتصادية للاستثمارات الفضائية، ومقارنة النموذج الإماراتي بتجارب الدول الفضائية الناشئة الأخرى.


مشاركة
العودة إلى الأخبار