يشكّل هذا النص جزءًا من فصل في كتابي المرتقب الموجّه إلى طلبة الدراسات العليا في الجامعات الدولية، والذي يحمل عنوان «مستقبلات غير يقينية: الاستدامة والمخاطر العالمية». وقد تبلور هذا الفصل عبر سنوات…


يشكّل هذا النص جزءًا من فصل في كتابي المرتقب الموجّه إلى طلبة الدراسات العليا في الجامعات الدولية، والذي يحمل عنوان «مستقبلات غير يقينية: الاستدامة والمخاطر العالمية». وقد تبلور هذا الفصل عبر سنوات من الانخراط الأكاديمي؛ سواء من خلال تدريس الاستدامة والتنمية في الجامعة الأميركية في الشارقة، أو إلقاء المحاضرات أستاذًا زائرًا في مؤسسات أكاديمية أخرى، أو المشاركة متحدثًا عامًا في المؤتمرات العالمية. ومع كل محاضرة ألقيها، وكل نقاش أخوضه مع طلبة الدراسات العليا، وكل منتدى دولي أشارك فيه، تتضح أمامي حقيقة أساسية بصورة أكبر: عدم اليقين ليس حالة إقليمية، بل واقع عالمي.

لقرون طويلة، اعتقدت البشرية أن المستقبل يمكن استشرافه من خلال أنماط مستقرة ومسارات يمكن التنبؤ بها. أما اليوم، فلم تعد تلك الافتراضات قائمة. فنحن نعيش في زمن قد يتغير فيه العالم خلال أشهر، بل أحيانًا خلال أسابيع. لقد أصبح اليقين ترفًا، والتنبؤ تحديًا، والتخطيط الاستراتيجي صراعًا يوميًا. لم يعد العالم يتحرك وفق قواعد ثابتة، بل تحكمه ديناميكيات متغيرة تتقاطع فيها البيئة والاقتصاد والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية بطرائق تتجاوز أطر الفهم التقليدية.

لعل عدم الاستقرار البيئي هو العلامة الأكثر وضوحًا على هذه الحقبة الجديدة. فقد شهدت كندا أكبر موسم لحرائق الغابات في تاريخها، إذ أتت النيران على ملايين الهكتارات، وامتد الدخان إلى الولايات المتحدة، بل وصل إلى أجزاء من أوروبا. كما شهدت الهند موجات حر تجاوزت درجات الحرارة خلالها 50 درجة مئوية، لتتحول الحياة اليومية إلى اختبار حقيقي للقدرة على التحمّل. وواجهت أوروبا فيضانات غير مسبوقة دمّرت بنية تحتية كانت تُعدّ من بين الأكثر قدرة على الصمود في العالم. وفي مختلف أنحاء أفريقيا، يستمر الجفاف في تهديد الأمن الغذائي لملايين الأشخاص. أما حرائق الغابات في أستراليا، فقد أصبحت ظاهرة سنوية، في حين تواجه الولايات المتحدة أعاصير متزايدة القوة تكشف هشاشة الأنظمة الساحلية.

ومن الأمثلة العلمية التي سبق أن تناولتها في مقال سابق ما يوضح حجم هذا التحول. فقد كشفت دراسة أجرتها جامعة ليستر أن بعض الغابات، التي طالما عُدّت رئة الكوكب، بدأت تتحول من امتصاص ثاني أكسيد الكربون إلى إطلاقه. ولم يكن هذا الانعكاس متوقعًا في النماذج المناخية التقليدية. وهو يشير إلى حقيقة أعمق مفادها أن الأنظمة البيئية نفسها أصبحت غير مستقرة، وأن ما اعتدنا اعتباره ثابتًا لم يعد مضمونًا. وتمثل هذه النتيجة أحد أوضح المؤشرات على أن عدم اليقين البيئي ليس اضطرابًا مؤقتًا، بل تحولًا بنيويًا في قدرة الكوكب على تنظيم نفسه.

ويعكس عدم اليقين الاقتصادي هذا الاضطراب البيئي. فقد أدى تباطؤ الاقتصاد الصيني، وهو الأول من نوعه منذ أربعة عقود، إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية. وتواجه الولايات المتحدة تقلبات في الأسواق مدفوعة بالتطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي. بينما تعاني أوروبا من انعدام أمن الطاقة عقب الحرب في أوكرانيا. وتواصل أميركا اللاتينية مواجهة أزمات مالية متكررة، مع معاناة دول مثل الأرجنتين والبرازيل من أجل الحفاظ على استقرار اقتصادي طويل الأمد. وفي أفريقيا، تظل الاقتصادات الناشئة عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة، التي غالبًا ما تحددها قوى خارجية لا تملك هذه الاقتصادات السيطرة عليها.

وتضيف التكنولوجيا طبقة أخرى من التعقيد. ففي الولايات المتحدة، طرحت كبرى شركات التكنولوجيا أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اتخاذ قرارات معقدة، ما أثار تساؤلات بشأن مستقبل العمل. وتعمل اليابان على دمج الروبوتات في قطاع الرعاية الصحية. كما تصوغ أوروبا تشريعات جديدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي في ظل مخاوف تتعلق بالخصوصية وفرص العمل. وتعتمد المدن الذكية في كوريا الجنوبية على أنظمة بيانات متقدمة، بينما تستخدم سنغافورة الذكاء الاصطناعي لإدارة حركة المرور وجودة الهواء والتخطيط الحضري. وتقود الصين السباق العالمي في مجال الروبوتات الصناعية، بما يعيد تشكيل طبيعة العمل في مختلف أنحاء العالم. تعد التكنولوجيا بالتقدم، لكنها تطرح في الوقت ذاته معضلات أخلاقية واجتماعية لم تواجهها البشرية من قبل بهذا الحجم.

وتمثل الهجرة تعبيرًا آخر عن حالة عدم اليقين العالمية. فالحركة الأخيرة لآلاف الأشخاص من المغرب نحو مدينة سبتة ليست حادثة منفصلة، بل جزء من نمط أوسع. يعبر الناس الحدود بحثًا عن الأمان أو الاستقرار أو الفرص، مدفوعين بالضغوط الاقتصادية أو تغير المناخ أو عدم الاستقرار السياسي. وتتكرر مشاهد مماثلة عند الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، وعبر البحر الأبيض المتوسط، وفي مختلف أنحاء جنوب شرق آسيا. ولم تعد الهجرة اليوم مجرد انتقال بشري، بل أصبحت عَرَضًا لاختلالات عالمية أعمق وللفجوات المتسعة بين من يمتلكون الاستعداد للمستقبل ومن يُتركون خلف الركب.

كما تتسم الجغرافيا السياسية بالتردد والغموض. ويعكس الموقف العالمي الحذر تجاه احتمال اندلاع صراع تكون إيران طرفًا فيه مدى تعقيد هذا المشهد. فالأمر لا يتعلق بالقدرات العسكرية وحدها، بل بإدراك أن التحالفات العالمية تتغير، وأن المصالح تتطور، وأن قرارات الحرب والسلام أصبحت تُتخذ في ظل طبقات متداخلة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي والأمني. وهذا التردد ليس ضعفًا، بل انعكاس لعالم تمتد فيه تداعيات أي قرار جيوسياسي كبير عبر القارات.

وفي خضم جميع هذه التحولات، يظل الإنسان في قلب المشهد. فأنماط الحياة تتغير، والقيم تتطور، والضغوط النفسية تتزايد. وقد أصبح القلق بشأن المستقبل ظاهرة عالمية. ومع ذلك، تكمن في حالة عدم اليقين هذه فرص مهمة. فالقدرة البشرية على التكيف والإبداع والصمود تتيح مسارات لإعادة بناء الأنظمة بقدر أكبر من المرونة والاستدامة.

إن فهم هذا القرن هو الخطوة الأولى نحو القدرة على التعامل معه. ولم تعد الاستدامة مفهومًا أكاديميًا فحسب، بل أصبحت إطارًا لتفسير العالم كما هو، لا كما نتمنى أن يكون. ورغم اضطراب هذا القرن، فإنه يحمل إمكانات هائلة لأولئك الذين يمتلكون أدوات فهمه والشجاعة اللازمة للتفاعل مع تحدياته.

إنه قرن مضطرب... ومستقبل غير يقيني... لكنه أيضًا مستقبل مفتوح أمام من يتعاملون معه بالمعرفة والرؤية والعزيمة.


مشاركة
العودة إلى الأخبار