طوّر فريق بحثي في جامعة الإمارات العربية المتحدة محفزًا جديدًا يعتمد على ثلاثة مكونات رئيسية هي رمال الصحراء، والفحم الحيوي المستخلص من نوى التمر، والنيكل. ويقدم الابتكار نموذجًا للاستفادة من الموارد…
طوّر فريق بحثي في جامعة الإمارات العربية المتحدة محفزًا جديدًا يعتمد على ثلاثة مكونات رئيسية هي رمال الصحراء، والفحم الحيوي المستخلص من نوى التمر، والنيكل. ويقدم الابتكار نموذجًا للاستفادة من الموارد المحلية والمخلفات الزراعية في تطوير مواد يمكن توظيفها في إنتاج الهيدروجين وتطبيقات الطاقة النظيفة.
ضم الفريق باحثين من قسمي الهندسة الكيميائية والبترولية والكيمياء في جامعة الإمارات، بالتعاون مع بوليتكنك أبوظبي وبدعم من برنامج المنح البحثية في الجامعة. ونشر الفريق نتائج الدراسة في مجلة "مجلة السبائك والمركبات" العلمية التابعة لدار النشر إلسيفير.
تحويل رمال الصحراء ومخلفات التمور إلى مادة للطاقة النظيفة
انطلق الباحثون من فكرة الاستفادة من رمال الصحراء، باعتبارها موردًا طبيعيًا متوافرًا بكميات كبيرة في المنطقة. ورغم محدودية نشاط الرمال التحفيزي بمفردها، يمكن استخدامها كقاعدة داعمة لبناء محفز أكثر فاعلية.
لذلك جمع الفريق الرمال مع الفحم الحيوي المستخلص من نوى التمر، ثم أضاف النيكل ليعمل بوصفه العنصر النشط في التفاعل الكيميائي.
وأدى كل مكون دورًا محددًا في التركيبة. وفرت الرمال القاعدة الهيكلية، بينما ساعد الفحم الحيوي على تحسين الخصائص الفيزيائية للمادة. أما النيكل فتولى الدور الرئيسي في تحفيز التفاعل.
كما أضاف استخدام نوى التمر بعدًا مهمًا للاستدامة. فالمنطقة تنتج كميات كبيرة من المخلفات الناتجة عن صناعة التمور. ويمكن تحويل جزء من هذه المخلفات إلى فحم حيوي ذي قيمة علمية وتطبيقية أكبر، بدلًا من بقائها موردًا محدود الاستخدام.
اختبار 30 تركيبة للوصول إلى أفضل محفز
اختبر الباحثون 30 تركيبة مختلفة لتحديد النسبة الأنسب بين الرمال والفحم الحيوي والنيكل. ودرسوا تأثير كل تركيبة في توزيع النيكل ومساحة السطح ومسامية المادة.
وتوصل الفريق إلى تركيبة مثلى تتكون من 15% نيكل، و42.5% رمال صحراوية، و42.5% فحم حيوي.
وحققت هذه النسب أفضل توازن بين الخصائص البنيوية والقدرة التحفيزية مقارنة بالتركيبات الأخرى التي اختبرها الباحثون.
كيف ساعد الفحم الحيوي في رفع كفاءة المادة؟
ساعد الفحم الحيوي على توزيع النيكل بصورة أكثر انتظامًا على سطح الرمال. كما حد من تكتل جزيئات النيكل، وهي مشكلة يمكن أن تقلل عدد المواقع النشطة المتاحة لحدوث التفاعلات.
وفي الوقت نفسه، رفع الفحم الحيوي من مسامية المادة ومساحة سطحها. وأتاح ذلك مساحة أكبر لتفاعل الجزيئات مع مواقع النيكل النشطة.
كما سجلت التركيبة المحسنة قدرة مرتفعة على امتصاص الهيدروجين. وحققت أيضًا مساحة سطحية أكبر بصورة واضحة مقارنة بالمحفز الذي يعتمد على الرمال والنيكل فقط.
وتوضح هذه النتائج أهمية تصميم المادة الداعمة للمحفز. فلا تعتمد الكفاءة على المعدن النشط وحده، بل تتأثر أيضًا بمدى قدرة المادة الحاملة على توزيع هذا المعدن والحفاظ على توافر مواقعه النشطة.
نتائج أولية واعدة في تكسير غاز الميثان
اختبر الفريق بعد ذلك أداء المحفز في تكسير غاز الميثان، وهي عملية يمكن من خلالها تفكيك الميثان لإنتاج الهيدروجين والكربون الصلب.
وأظهرت التجارب الأولية أن المادة الجديدة حققت معدل تحويل للميثان بلغ نحو 38% عند درجات حرارة تراوحت بين 500 و600 درجة مئوية.
ولا تعني هذه النتيجة أن المحفز أصبح جاهزًا للاستخدام التجاري. لكنها تقدم دليلًا عمليًا أوليًا على قدرته على دعم التفاعلات المرتبطة بإنتاج الهيدروجين.
ويحتاج الفريق في المراحل المقبلة إلى اختبار استقرار المادة وكفاءتها خلال فترات تشغيل أطول. كما يحتاج إلى تقييم قدرتها على الحفاظ على أدائها مع الاستخدام المتكرر.
وقال الدكتور محمد نور الطراونة، من قسم الهندسة الكيميائية والبترولية في جامعة الإمارات وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة، إن المشروع يوضح إمكان تحويل موارد متوافرة في البيئة المحلية إلى مواد متقدمة تخدم تطبيقات الطاقة النظيفة.
كما أشار إلى أهمية الجمع بين رمال الصحراء ومخلفات نوى التمر لإنتاج مادة تجمع بين سهولة التحضير وإمكانات التطوير مستقبلًا.
منهج يمكن تطبيقه على محفزات ومواد أخرى
لا تقتصر أهمية الدراسة على التركيبة النهائية التي اختارها الباحثون. فقد اعتمد الفريق منهجية منظمة لفحص عشرات التركيبات وتحديد أفضلها وفق مجموعة من الخصائص.
ويمكن للباحثين تطبيق المنهج نفسه مستقبلًا على معادن أخرى أو مواد طبيعية مختلفة أو مصادر أخرى للكربون المستخلص من المخلفات.
وقد يساعد هذا التوجه على تطوير محفزات أكثر استدامة، مع تقليل الاعتماد على بعض المواد مرتفعة التكلفة. كما يربط البحث بين الاستفادة من الموارد المحلية وتطوير حلول للطاقة والعمليات الصناعية النظيفة.
وسيركز الفريق خلال المرحلة المقبلة على اختبار المحفز لفترات تشغيل أطول، وقياس قدرته على الاحتفاظ بنشاطه وإعادة استخدامه. كما سيختبر الباحثون أداءه تحت ظروف تشغيل مختلفة لتحديد مدى صلاحيته للتطبيقات العملية.
وتقدم الدراسة نموذجًا يجمع بين البحث في الطاقة النظيفة والاقتصاد الدائري. فهي تحول موردًا طبيعيًا متوافرًا ومخلفات زراعية محلية إلى مادة ذات قيمة علمية أعلى، وتفتح المجال أمام تطوير حلول أكثر استدامة لإنتاج الطاقة مستقبلًا.
العودة إلى الأخبار



